أبي الفرج الأصفهاني

210

الأغاني

وناديننا : أين الفرار وكنتم تغارون أن تبدو البرى [ 1 ] والوشائح أأسلمتمونا للعدوّ على القنا إذا انتزعت منها القرون النواطح فما غار منكم غائر لحليلة ولا عزب عزّت عليه المناكح قال : فلمّا أنشدهم هذه الأبيات أنفوا وثاروا فشدّوا شدّة تضعضع لهم عسكر الحجّاج ، وثبت لهم الحجّاج وصاح بأهل الشأم فتراجعوا وثبتوا ، فكانت الدائرة له ، فجعل يقتّل الناس بقيّة يومه ، حتى صاح به رجل : واللَّه يا حجّاج لئن كنّا قد أسأنا في الذنب لما أحسنت في العفو ، ولقد خالفت اللَّه فينا وما أطعته . فقال له : وكيف ويلك ؟ قال : لأنّ اللَّه تعالى يقول * ( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ / حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ [ 2 ] فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ) * وقد قتلت فأثخنت حتى تجاوزت الحدّ ، فأسر ولا تقتل ، ثم قال : أو امنن . فقال أولى لك [ 3 ] ! ألا كان هذا الكلام منك قبل هذا الوقت ! ثم نادى برفع السيف وأمّن الناس جميعا ، قال ابن حبيب قال ابن الأعرابيّ : فبلغني أنّ الحجّاج قال يوما لجلسائه ما حرّض على أحد كما حرّض أبو جلدة ؛ فإنه نزل على سرحة [ 4 ] في وسط عسكر لابن الأشعث ثم نزع سراويله فوضعه وسلح فوقه والناس ينظرون إليه . فقالوا له : ما لك ويلك أجننت ! ما هذا الفعل ! قال : كلَّكم قد فعلتم مثل هذا إلَّا أنكم سترتموه وأظهرته . فشتموه وحملوا عليّ ، فما أنساهم وهو يقدمهم ويرتجز : نحن جلبنا الخيل من زرنجا [ 5 ] ما لك يا حجّاج منّا منجى لتبعجنّ [ 6 ] بالسيوف بعجا أو لتفرّنّ فذاك أحجى [ 7 ] فو اللَّه لقد كاد أهل الشأم يومئذ يتضعضعون لولا أنّ اللَّه تعالى أيّد بنصره . قال وقال أبو جلدة يومئذ : أيا لهفي ويا حزني جميعا ويا غمّ [ 8 ] الفؤاد لما لقينا تركنا الدّين والدّنيا جميعا وخلَّينا [ 9 ] الحلائل والبنينا فما كنّا أناسا أهل دين فنصبر للبلاء إذا بلينا [ 10 ]

--> [ 1 ] البري هنا : الخلاخيل ، واحدها برة . والوشائح : جمع لوشاح ( بضم أوله وكسره ) . وهو أديم عريض يرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها . ويجمع الوشاح أيضا على وشح ( بضمتين ) وأوشحة . [ 2 ] أثخنتموهم : غلبتموهم وكثرت فيهم الجراح . [ 3 ] أولى لك : دعاء عليه بمعنى ويل لك . [ 4 ] السرحة : الشجرة العظيمة . [ 5 ] زرنج : قصبة سجستان . [ 6 ] في « الأصول » : « لنبعجن » بالنون . وقد أثبتناه كما ترى ليكون خطابا للحجاج . والبعج : الشق . [ 7 ] في « ب ، س » : « أو لنفرقن بذاك » . وفي « ج » : أو لتفرن بذاك « ويقرأ » أو لنقرن بذاك « بالنون والقاف . وفي » أ ، م « : » أو لنغرن بذاك « بالنون والغين . وقد أثبتناه كما ترى لأن له معنى يلائم السياق . وأحجى : أجدر وأخلق . [ 8 ] في « الطبري » : « ويا حرّ الفؤاد » . [ 9 ] في « الطبري » : « وأسلمنا » . [ 10 ] في « الطبري » : « في البلاء إذا ابتلينا » .